About the article

Author :

Muhammad Naasiruddeen al-Albaanee

Date :

Thu, Sep 18 2014

Category :

Fatwa (Q&A)

Download

سلسلة الهدى والنور - الشريط رقم : 218

أبو ليلى : يا إخواننا يعني لو تكرمتم في بعض الأوراق عند صاحب البيت من أجل كتابة الأسئلة إن شاء الله وبعض الإخوة سوف يلقي الأسئلة .

الشيخ : إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله (( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون )) (( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا )) (( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما )) أما بعد ! فإن خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعوة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار ؛ وبعد فإن هذا الجمع الطيب ـ إن شاء الله ـ يذكرني بسنة كريمة طالما أعرض عنها الناس في تجمعاتهم كلها إلا ما شاء الله تبارك وتعالى منها ، ذلك لأن هناك أحاديث صحيحة وواردة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تتجمع كلها على أن المسلمين كما أنه يجب عليهم أن يكونوا على قلب رجل واحد فكذلك يجب عليهم أن يتكتلوا وأن يتجمعوا في مكان واحد ، ليس هناك رجل أعلى من رجل ، وجالس أعلى من جالس وإنما هم سواء كما جاء في بعض الأحاديث ولو أن السند ضعيف لا يصح ( الناس سواسيه كأسنان المشط )، فمن تلك الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى أصحابه متفرقين في المسجد قال لهم : ( ما لي أراكم عزين ) أي متفرقين أي تجتمعوا ولا تتفرقوا أي بأبدانكم لا تتفرقوا بأبدانكم ، لا تتفرقوا بظواهركم فإن الظاهر عنوان الباطن ، والظاهر يؤثر في الباطن صلاحا أو فسادا ؛ وأكد عليه الصلاة والسلام هذا المعنى النفسي الرائع في أحاديث أخرى منها وهو مما يجب أن نتنبه له لأن له علاقة ببعض الاجتماعات المفروضة على المسلمين في مساجدهم وهو اجتماعهم في صفوفهم التي يجب عليهم أن يكونوا فيها كما قال تعالى : (( كالبنيان المرصوص )) فقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من هديه وسنته أنه لا يشرع في الصلاة إماما بالناس خلفه إلا بعد أن يأمرهم بتسوية الصفوف ، وكان يسوي الصفوف ويهتم بتسويتها كالقداح ، وكان يؤكد لهم ذلك بأمر هام جدا فيقول لهم : ( سووا صفوفكم فإن تسوية الصفوف من تمام الصلاة ) ، وفي رواية وهي صحيحة أيضا من حسن الصلاة ؛ لكن أعظم من ذلك هو قوله عليه الصلاة والسلام ( لتسوون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم ) أي يضرب قلوب بعضكم ببعض بسبب الإخلال بهذا الأمر الواجب ألا وهو تسوية الصف ؛ فإذا كان هناك شخص متقدم وآخر متأخر فقد أخلوا بهذا الأمر النبوي الكريم ( لتسوون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم ) أي بين قلوبكم ؛ وأكثر من ذلك فستسمعون حديثا ليس له علاقة بالصف في الصلاة وإنما في الجلوس وليس كما سمعتم في الحديث الأول ، الجلوس في المسجد ، وإنما الجلوس في خارج المسجد بل خارج البلدة التي يقطنها الناس ويتفرقون بحكم واقعهم إلى مجالس عديدة وإنما ذلك في الصحراء في البرية في العراء كما يقول أبو ثعلبة الخشني رضي الله تعالى عنه قال : كنا إذا سافرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ونزلنا تفرقنا في الشعاب والوديان ، حسب ما تيسر لهم يتفرقون ، أرض الله واسعة ؛ قال فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم ( إنما تفرقكم في الشعاب والوديان من عمل الشيطان ) تفرقكم حينما تنزلون في الشعاب والوديان إنما هو من عمل الشيطان ؛ قال أبو ثعلبة رضي الله عنه فكنا وهنا الشاهد : فكنا بعد ذلك إذا سافرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم سفرا ونزلنا واديا أو شعبا اجتمعنا حتى لو جلسنا على بساط لوسعنا ؛ هذا في الصحراء في البرية ؛ ولذلك فمن آداب لمجالس العلم التقارب بالأبدان حتى يكون ذلك تفائلا حسنا وسببا شرعيا لتقارب القلوب التي قد يكون ما بينها شيء من التنافر أو الاختلاف وذلك مما ينهي الشارع الحكيم عنه كما هو معلوم في كثير من آيات القرآن وأحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام ؛ ولذلك لا ينزعجن أحد من هذا التزاحم الطارئ واعلموا أنه أولا أمر مرغوب فيه مشروع كما سمعتم في هذه الأحاديث الصحيحة ؛ والأمر الثاني أن الوضع هو الذي أوحى لمثل هذا التزاحم الشديد ؛ وبعد هذه المقدمة لمثل هذه المناسبة الطيبة نذكر بشيء آخر وهو أن المعتاد في طلب العلم أن يجتمع بعض الناس الراغبين في التفقه في الدين حول رجل قد يكون أوتي شيئا من العلم أكثر من غيره فيتلقون ما عنده من العلم بالكتاب أو السنة أو الفقه أو شيء آخر من علوم الإسلام ؛ لكن هناك سبيل آخر في تلقي العلم قد نص الله تبارك وتعالى عليه في القرآن ونبه عليه الرسول عليه السلام في بعض الأحاديث الصحيحة أعني بذلك أعني بذلك تلقي العلم بطريقة السؤال والجواب كما قال الله عزوجل في الآية المعروفة : (( فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون )) وفي الآية الأخرى (( فاسأل به خبيرا )) وأكد النبي صلى الله عليه وسلم هذه الوسيلة الشرعية في بعض الأحاديث النبوية كما جاء في سنن أبي داوود من رواية جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أرسل سرية للجهاد في سبيل الله فوقعت المعركة بين المسلمين وبين المشركين ثم أدركهم الليل فتفرقوا ونام كل فريق في مكانه ؛ أحد الصحابة حينما أصبح وجد نفسه قد احتلم وهو يعرف أنه يجب عليه الغسل ولكنه كان قد أصيب بجراحة في بدنه فكأنه تحرج من القيام بالواجب واجب الغسل ؛ فسأل من حوله لعلهم يجدون له رخصة في أن لا يغتسل خشية أن يصاب بسبب جراحاته بمرض فسأل فقالوا لا رخصة لك ولابد لك من الاغتسال ؛ فاغتسل الرجل وكان عاقبة هذا الاغتسال أن أصابته وارتفعت الحرارة به كما هو معلوم ، ثم كانت النتيجة أن الرجل مات ؛ فلما بلغ خبره إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم غضب غضبا شديدا وقال : ( قتلوه قاتلهم الله ) قتلوه أي كانوا سببا لقتله ، بسبب تلك الفتوى الجائرة الظالمة الذي قالوا فيها لا يجوز لك إلا أن تغتسل ، فكان هلاكه في هذا الغسل ، قال عليه السلام : ( قتلوه قاتلهم الله ، ألا سألوا حين جهلوا ، فإنما شفاء العي السؤال )، إذا الجاهل له طريقتان في أن يتعلم ما يجب عليه من العلم ، الطريقة الأولى هي التي أشرنا إليها وهي طريقة الحلقات العلمية ؛ والطريقة الأخرى أن يسأل عما يهمه من أمر دينه ، وفي هذه الطريقة فائدة لا توجد في الطريقة الأولى ؛ لأن الطريقة الأولى في الحقيقة هي طريقة من يريد أن يمشي في طريق طلب العلم حتى يصبح كما يقال مشارا إليه بالبنان ؛ لكن ليس كل إنسان يستطيع أن يسلك هذا السبيل الذي قال عنه الرسول عليه الصلاة والسلام : ( من سلك طريقا يلتمس فيه علما سلك الله به طريقا إلى الجنة )، ليس كل إنسان يستطيع أن يسلك هذا الطريق المعتاد عند العلماء وطلبة العلم بينما الطريقة الأخرى تتيسر لكل إنسان وهي أنفع بالنسبة لعامة الناس ؛ لأنه قد يجلس الساعات الطويلة بل أيام كثيرة ، وربما أسابيع عديدة وهو يطلب العلم على النظام المعتاد فلا يأتي معه ما يجول في خاطره من أسئلة ، ما يتعرض له أثناء عمله وعلاقاته مع الناس المختلفي المذاهب والمشارب ، فلا يجد هناك مساغا للسؤال ؛ فكان من الحكمة البالغة أن شرع الله عزوجل هذه الطريق الأخرى هي طريقة السؤال والجواب ؛ على هذا نقول (( فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون )) ونحن من طلاب العلم إن كان عندنا علم بما يرد إلينا من الأسئلة أجبنا وإلا سكتنا ونصف العلم لا أدري ؛ ولذلك فلا يثقل علي أن أقول في شيء سئلت عنه لا أدري ، وبالتالي لا يثقلن عليكم وتقولوا الشيخ ما يدري ، أشهدوا علي كما قال تعالى : (( وما أوتيتم من العلم إلا قليلا )) والآن تفضل شو ورد علينا من الأسئلة ؟

الحلبي : يقول السائل هناك أناس يقولون لا تأخذوا العلم عن الكتب ولكن عن العلماء وإن أخذ العلم عن الكتب بدعة ؛ فما هو قولكم في هذا القول ؟ .

الشيخ : نعم نقول كما قلنا آنفا ، وأظن سبق الجواب عن هذا السؤال بطريقة كما يقولون اليوم أوتوماتيكيا ، نقول قلنا آنفا إن طريقة تعلم العلم وطلب العلم له طريقتان الطريقة الأولى أن يتجمع ناس من الراغبين في طلب العلم على رجل من أهل العلم يدرسون عليه بنظام متبع ويستمرون على ذلك كما قلنا آنفا حتى يتأهلوا هم للدراسة وللتدريس أيضا ، هذا هو الطريق وهذا أمر بديهي جدا ولا يمكن سواه ؛ ولكن الشيء الذي يغفل عنه بعض الناس أو يتغافلون عنه أن إلى أي مدى يستمر طالب العلم يطلب العلم على المشايخ ، لاشك أن ذلك يختلف بإختلاف الطالبين من جهة وباختلاف العلماء وتخصصاتهم وكثرة وجودهم في مثل هذه التخصصات من جهة أخرى ؛ فلنبدأ بالصورة التي يعرفها كل الناس كل إنسان حينما يولد يولد جاهلا ثم يبدأ حينما يبدأ يتميز ويتفوق في الفهم والإدراك في السنة الخامسة أو السادسة أو السابعة ، وهذا أمر يختلف فيه أيضا فطر الناس ؛ فيعلم من قبل أبويه أو من قبل شيخ المكتب في الحارة أو الروضة كما يقولون اليوم أو أو إلى آخره ، يدرس حروف ألف باء ... إذا هذا بدأ دراسة من شيخ ثم يرتقي به الأمر فيصل إلى الدراسة وينتهي من الدراسة الإبتدائية ثم الثانوية وهكذا ؛ فإذا تخرج المتخرج مثلا أخذ شهادة الدكتوراة فهل يجب عليه أن لا يطلب العلم بدراسته الشخصية ، ولا يعتد بدراسته هذه إلا إذا ظل مستمرا إلى آخر رمق من حياته يدرس على الشيخ وإلا ورد هذا السؤال الجواب لا ؛ المهم أن يدرس الدارس ما يسمى بعلوم الآلة يعني علم اللغة من نحو وصرف ويدرس الفقه ؛ وهذه الدراسة تكون عادة في أكثر البلاد الإسلامية على مذهب من المذاهب المتبعة اليوم ؛ ثم لابد من أن يدرس مع ذلك التفسير وأن يدرس الحديث في أصوله وفي علم الجرح والتعديل ، وهذا بلاشك يأخذ من كل طالب علم برهة من الزمان ؛ فالاستمرار في هذا الطلب يختلف من إنسان إلى آخر ؛ فإذا وصل الإنسان إلى مرتبة يستطيع أن يقرأ كتابا من كتب العلماء وأن يفهمه وكان مع ذلك عنده المعرفة باللغة العربية وآدابها فحينئذ ليس من الضروري أن يستمر لآخر رمق من حياته وهو يقرأ على الشيخ ؛ لأن الشيخ المفروض إنه أكبر منه سنا وسوف يموت قبله وهكذا ؛ فإذا المسألة وسط بين أن يوجب على الإنسان أن يستمر في الدراسة على المشايخ ولن تجدوا مثل هذا الإنسان بتاتا بين ظهرانيكم ، لابد أن يصل إلى مرحلة يستقل هو في الدراسة ويدرس كتب العلماء السابقين واللاحقين ، وعلى ضوء ذلك هو تزداد ثقافته يوما بعد يوم ويتمكن من إفادة الناس بما أفاده ربنا تبارك وتعالى في هذه السنين التي تخصص فيها لدراسة العلم بالوسائل التي يمكنه الله تبارك وتعالى منها ، ولابد في ختام هذا الجواب أن أذكر بحديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ألا وهو قوله : ( إنما العلم بالتعلم والحلم بالتحلم )، إنما العلم بالتعلم فلا يولد الإنسان عالما فلابد أن يطلب العلم على طريقة من الطرق التي أشرنا إليها آنفا ، كما إن الحلم بالتحلم أي قد يكون وهذا هو الغالب على أكثر الناس أنهم ليسوا من أهل الحلم فطرة فالجهاد حينئذ هو أن يتحلم الإنسان أن يتكلف الحلم لأن في ذلك يجاهد نفسه التي طبعت على خلاف من الأخلاق السيئة ، إذا كان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يقول : ( إنما العلم بالتعلم ) هذا أمر بدهي جدا ؛ لكن بعض الناس كما قلت لكم آنفا أنه يتوهم أنه سوف يستمر إلى آخر رمق من حياته أن يطلب العلم من بعض المشايخ الأحياء بينما يكون هو قد انتهى من الدراسة على بعضهم على الأقل بينما هو ينتقل إلى دراسة العلم من علماء كما قيل إن قلت إنهم أحياء فقد صدقت وإن قلت إنهم أموات فما كذبت ، كما قال الشاعر :

 لنا جلساء لا نمل سماعهم ***  مأمونون غيبا ومشهدا .

من هم هؤلاء الجلساء ؟ هم العلماء الذين خلفوا لنا هذه الثروة الضخمة من القرن الثاني من الهجرة إلى يومنا هذا ؛ فإذا باختصار من تعاطى طلب العلم بوسائله ، وعلى أهل العلم الذين يتمكن من أخذ العلم منهم ثم يدرس على كتب هؤلاء العلماء الذين وصفنا هم من جهة أنهم أحياء بعلمهم ومن جهة أنهم أموات لأنها سنة الله تبارك وتعالى في خلقه ؛ لكني أشعر من هذا السؤال يوحي إلي شيئا وهو إذا كان طلب العلم لا يكون إلا من أهل العلم فأين هم أهل العلم المتخصصين في الحديث مثلا ؟ والمتخصصين في التفسير ثانيا وهم يجلسون ويدرسون هذا العلم وذاك العلم على الناس في المساجد كما كان سلفنا الصالح ؟ لم يبق لهؤلاء أثر ، المساجد الآن أبوابها مغلقة ولا يمكن الدراسة فيها على الطريقة السابقة والتي أشرنا إليها آنفا ، إذا لم يبق هناك طريق ميسر للدراسة إلا هذه الدراسة النظامية الابتدائية والثانوية و و إلى آخره ثم بعد ذلك إما أن ينصرف في الوظيفة كما هو شأن أغلب الدارسين وإما أن يكرس حياته يدرس العلم من هذه الآثار التي خلفها لنا السلف الصالح ؛ فإذا هذا السؤال يجب أن يفهم في حدود ضيقة وليس بالمعنى الواسع الخيالي الذي لا يمكن تحقيقه وبخاصة في هذا الزمان ؛ وأخيرا أذكر بأن كثيرا من الناس اليوم يحصلون الشهاداة الجامعية والشهادات العالية بدون أن يتصلوا شخصيا مع الأساتذة والمعلمين الذين يدرسون علمهم كل ما في الأمر  في نهاية الدراسة التي هي سنتين أو ثلاثة أو أربعة يجرون لهم امتحانا فمن نجح أعطوه شهادة وإلا سقط ، كيف كانت دراسة هذا الإنسان ؟ كانت دراسته شخصية ؛ وأخيرا وأخيرا والحديث يطول ما المانع أن يكون الله عزوجل يفتح على بعض الناس بعد أن أخذوا الوسائل العلمية من دراسة اللغة العربية وعلم أصول الحديث والفقه أن يفتح ربنا عزوجل عليه وأن يجعله خيرا من المشايخ الذين هو درس عليهم ، وبخاصة أنا في بعض الكتب التي يتداولها الناس اليوم يتحدث فيها المؤلف عن ناس صالحين أميين لا يقرأون ولا يكتبون ومع ذلك كان العلماء والفقهاء والمثقفين بمختلف الوسائل العلمية كانوا يأتون إليهم ويتلقون العلم منهم ؛ من أين جاءه العلم ؟ فتح رباني يقولون ، طيب إذا كان ربنا عزوجل يفتح على إنسان وهو أمي ألا يفتح على إنسان أخذ بوسائل العلم في حدود الإمكان ؟ بلى ، وما ذلك على الله بعزيز ؛ وهذا هو جواب السؤال .

الحلبي : جزاك الله خيرا . الألباني : وإياك .

الحلبي : يقول السائل ما هو التفسير الصحيح لقول ربنا تبارك وتعالى : (( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون )) ؟ .

الشيخ : التفسير الصحيح هو ما جاء في تفسير ابن جرير الطبري وتفسير ابن كثير الدمشقي أن المقصود بالكافرون هنا هم الذين لا يؤمنون بشريعة الله تبارك وتعالى أي لا يحكمون بما أنزل الله لأنهم لا يرون ما أنزل الله شرعا صالحا للحكم به في كل زمان وفي كل مكان ؛ فكل من اعتقد هذا الاعتقاد كاليهود الذين في حقهم نزلت هذه الآية الكريمة فيكون كافرا مرتدا عن دينه ؛ ولكن هنا شيء لابد من ذكره أن من آمن بشريعة الله تبارك وتعالى وأنها صالحة لكل زمان ولكل مكان ولكنه لا يحكم فعلا بها إما كلا وإما بعضا أو جزءا فله نصيب من هذه الآية ، له نصيب من هذه الآية لكن هذا النصيب لا يصل به إلى أن يخرج عن دائرة الإسلام ؛ فيجب أن نعلم إيمانا وهناك إسلاما الإيمان هو الذي استقر في القلب ، والإسلام هو أثر هذا الإيمان الذي يظهر على الجسد والأبدان ، وبنسبة قوة الإيمان الذي يكون في قلب المؤمن يكون صلاح ظاهر هذا الإنسان واستقامة جوارحه وبدنه كما أشار عليه الصلاة والسلام بهذه الحقيقة بقوله في حديث النعمان بن بشير الذي أوله ( إن الحلال بين والحرام بين ) إلى أن يقول الرسول عليه السلام : ( ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب )، فصلاح الظاهر مرتبط بصلاح الباطن بشهادة هذا الحديث وبعض الأحاديث الأخرى التي سبق ذكرها في ابتداء هذه الجلسة ؛ لكن إذا كان بنسبة قوة الإيمان يكون نسبة الصلاح في البدن كما ذكرنا هذا الصلاح الظاهر هو الإسلام ؛ فإذا المسلم أخل بشيء من الأحكام الإسلامية فالإخلال هذا لا يخرجه عن دائرة الإسلام ، قد يخرجه عن دائرة الإيمان المطلق أي الكامل ؛ بعض العلماء يفسرون قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح الزاني حين يزني ( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ) هل الزاني إذا زنا كفر وارتد عن دينه ؟ الجواب لا أحد من المسلمين الذين هم على طريقة أهل السنة والجماعة يقولون بأن الزنا أو غير الزنا من المعاصي بل ومن الكبائر يخرج المسلم من دائرة الإسلام ؛ إذا ما معنى قوله عليه السلام : ( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن )، أي لا يكون مؤمنا كامل الإيمان لكن هو بذلك لا يخرج عن دائرة الإسلام ؛ وشبه بعضهم الإيمان بدائرة وحول هذه الدائرة دائرة أخرى تحيط بالدائرة الأولى ، فحينما زنا الزاني خرج من الدائرة الأولى أي الإيمان الكامل لكنه ما خرج من الدائرة الأخرى وهي دائرة الإسلام ، فهو لا يزال مسلما ؛ كذلك كل من يعصي الله عزوجل أي معصية كانت ، لا يجوز إخراجه من الدائرة الأخرى الكبرى وهي دائرة الإسلام إلا إذا جحد شيئا مما يتعلق بالدائرة الأولى أي دائرة الإيمان ؛ فإذا أنكر ما جاء في الشرع وهذا الإنكار له علاقة بالإيمان حينئذ خرج عن دائرة الإيمان وعن دائرة الإسلام ؛ فالآية السابقة (( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ))، إن كان الذي لا يحكم ينكر صلاح الشريعة أن يحكم بها في كل زمان وكل مكان فقد خرج عن الدائرتين دائرة الإيمان ودائرة الإسلام أي صار مرتدا عن دين الله تبارك وتعالى ؛ أما إن كان يؤمن ما في الدائرة الأولى وهو وجوب الحكم بما أنزل الله لكن هو فعلا كما قلنا آنفا لا يحكم بما أنزل الله إما كلا وإما جزءا فحينئذ خرج عن دائرة الإيمان الدائرة الكاملة ولكنه لا يزال داخل الدائرة الأخرى وهي دائرة الإسلام ؛ لذلك قال ترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال ليس الأمر في تفسير هذه الآية : (( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون )) ، كما يقولون أي كما يقول الغلاة قديما ويقول بعضهم اليوم حديثا إنه الكفر بعينه ، قال لا ، ابن عباس يقول " لا إنما هو كفر دون كفر "، إنما هو كفر دون كفر ؛ وهذه الجملة التي نطق بها ترجمان القرآن وفسر بها تلك الآية الكريمة عليها شواهد عديدة جدا من السنة بل ومن القرآن الكريم ، في الحديث الصحيح المتفق على صحته بين الشيخين أنه عليه السلام قال : ( سباب المسلم فسوق وقتاله كفر ) سباب المسلم فسوق وقتاله كفر فالمسلم حينما يقاتل أخاه المسلم كفر بنص هذا الحديث " كفر " لكن احفظوا جيدا كلمة عبد الله بن عباس " كفر دون كفر " ما الدليل على ذلك ؟ أدلة كثيرة كما قلت آنفا منها قوله تبارك وتعالى : (( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله ))، فإذا هنا طائفتان من المؤمنين اقتتلوا إحداهما باغية ، إحداهما معتدية أمرت طائفة المسلمين المحقة أن يقاتلوا الطائفة الباغية ؛ لكن نحن نرى هنا في نص الآية أن الله عزوجل ما رفع عنهم اسم الإيمان وهو قوله تبارك وتعالى : (( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ))، فإذا هؤلاء البغاة الذين يقاتلون أهل الحق هم مؤمنون من جهة ولكن وقعوا في الكفر من جهة أخرى ، ذلك هو معنى قول ابن عباس "  كفر دون كفر " فإذا الآية المسئول عنها (( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ))، إنما تعني كفر جحود أو كفر عمل ؛ فمن جحد شرعية العمل بالقرآن فهو كافر مرتد عن دينه ، ومن اعترف وأقر بذلك فهو مؤمن ولكن إيمانه ناقص لأنه لا يعمل بما يؤمن به ؛ من هنا قال أهل العلم بأن الإيمان يزيد وينقص وزيادته الطاعة ونقصانه المعصية ؛ نعم .

الحلبي : يقول السائل ما حكم الشرع في العربون وهو مبلغ معين يدفع لتاجر ما لحجز سلعة معينة وفي حال تخلف الدافع عن الموعد المعين هل يجوز أخذ هذا المبلغ لإخلاله بالإتفاق حيث إن إخلاله قد تسبب في تعطيل ما ؟ .

الشيخ : الأصل في العربون أنه لا يحل ولا يجوز للتاجر أن يستحله وأن لا يعيده إلى الذي دفعه إليه إلا في حالة واحدة أشار إليها السائل ؛ ولكن هذه الحالة ليست مضطرة فقد يعطي العربون في هذه الساعة ثم ينكل بعد دقائق ويكون قد سلفه العربون ؛ فهنا ما أصاب التاجر ضررا إطلاقا ففي هذه الحالة لا يحل له أن يأكل منه ولو فلسا أو قرشا واحدا ؛ لكن في بعض الصور وهذا ممكن أن يتصور أن التاجر حينما اتفق مع الشاري المعربون الذي دفع العربون على البضاعة وانصرف جاء إلى التاجر من يريد أن يشتري تلك البضاعة ما باعها لأنه مرتبط مع الشاري الأول صاحب العربون وإذا بهذا الرجل يعود بعد أيام أو بعد ساعات على حسب الواقعة ليقول له أنا أعتذر وأقلني من البيعة وأعد إلى العربون ؛ فهنا إذا أصاب التاجر شيء من الضرر بمعنى أن الحاجة التي باعها بالسعر الأول لا يمكنه فيما بعد أن يبيعها بنفس السعر فبإمكانه أن يقتطع من هذا العربون المقدار الذي يتضرر به حينما يبيع البضاعة لشخص آخر ؛ أما مجرد كونه عربونا فذلك لا يحل له لأنه من باب أكل أموال الناس بالباطل ؛ فيلاحظ في هذا أولا وجود الضرر أو عدمه ، في الحالة الأولى يجوز ، وثانيا تقدير الضرر ؛ ولا يجوز أن يستحل المال كله وإنما بمقدار ما أصابه من ضرر لقوله عليه السلام في الحديث المعروف ( لا ضرر ولا ضرار ) نعم .

الحلبي : يقول السائل بمناسبة الكلام عن العلم والتعلم ما هي العلوم الشرعية التي تنصحون طالب العلم أن يبتدئ بها هل هي الحديث أم اللغة أم التفسير أم أصول الفقه إلى آخره ؟ .

الشيخ : يختلف هذا بطبيعة الحال من طالب إلى آخر ، لو فرضنا طالب مثلا متخرج من المدرسة الابتدائية فهذا يجب أن يدرس الفقه ليتمكن من تصحيح عباداته التي فرضت عليه كالصلاة والصيام ونحو ذلك من الأحكام ؛ فإذا قيل له ادرس ما سبق أن أشرنا إليه آنفا ادرس علم أصول الفقه ،  ادرس علم أصول الحديث ، وادرس تراجم رواة الحديث وإلى آخره ، هذا أولا يأخذ معه سنين طويلة ، وثانيا ثمرة هذا العلم من حيث أن يفهم الحرام والحلال سيتأخر به سنين وسيعيش جاهلا لا يحسن أن يتوضأ ولا أن يصلي ولا أن يصوم إلا وهو جاهل بأحكام الدين ؛ ولذلك فأول ما ينبغي لطالب العلم أن يدرس علم الفقه كما قال عليه السلام : ( من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين )، ولكن بهذه المناسبة لابد لي من التذكير بأن طالب العلم يجب أن يدرس الفقه على عالم وعلى رجل إن تيسر له ذلك ؛ نعود إلى البحث السابق يكون متمكنا في معرفة أدلة الكتاب والسنة أي يعرف ما يسمى اليوم بالفقه المقارن ، يعرف المذاهب وآرائهم في المسائل التي اختلف فيها العلماء وهو أي هذا العالم سيقدم لتلميذه أو تلامذته الصافي من هذه الاختلافات لأنه عالم بالكتاب والسنة ولأنه يستطيع أن يعود إلى تطبيق قوله تعالى : (( فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ))، شرط عظيم جدا مفهومه إن كنتم لا تؤمنون بالله واليوم الآخر لا ترجعون إلى كتاب الله وإلى سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؛ ولذلك فينبغي من الإنسان المسلم أن يتذكر هذا الشرط (( فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا ))، أي عاقبة إن تيسر له من هذا العالم فقد وقع على الكنز الثمين وإن لم يتيسر فلابد له أن يدرس حينئذ الفقه المذهبي أن يختار عالما متمكنا في مذهب من المذاهب الأربعة ، يدرس على يديه فإذا كتب الله له مع الاستمرار مع طلبه للعلم ودراسته للوسائل التي ذكرناها آنفا من أصول الفقه وأصول الحديث وتراجم الرجال إلى آخر ما هناك من وسائل ففيما بعد سيتبين له الحق اختلف فيه الناس إذا الطريقة الأولى هي الطريقة المثلى ولكني أعلم أنها قد لا تتيسر لكل طالب علم وذلك لا يسوغ له أن يظل جاهلا بل عليه أن يدرس فقه العلماء لكن لا يخلط لا يلفق بين مذهب ومذهب فيتبع هواه لأن اتباع الهوى مضلة ما بعدها مضلة . نعم .

الحلبي : يقول السائل ما هو حكم الشرع في العمل لاستئناف الحياة الإسلامية مع معرفة السبيل الأمثل لتحقيق ذلك علما أن هناك أحاديث يفهمها البعض على أنها تعني القعود عن هذا العمل وهي أحاديث المهدي فما هو رأيكم في ذلك ؟

الشيخ : لقد كتبنا أكثر من مرة حول أحاديث المهدي عليه السلام ومواقف علماء العصر وهذا الزمان فإنهم مختلفون في ذلك أشد الاختلاف ؛ أما العلماء الذين لا يزالون يتمسكون بما قام عليه الدليل من الكتاب والسنة الصحيحة فهم لا يزالون يعتقدون والحمد لله بأن خروج المهدي حق لاريب فيه ولكن لابد بهذه المناسبة من التذكير أن هناك شخصا آخر لابد من خروجه وسيلتقي مع المهدي وهو عيسى عليه الصلاة والسلام فإن عيسى عليه السلام أحاديثه أقوى من أحاديث المهدي وإن كان كل من أحاديث الرجلين يلتقيان في الصحة إلا أن أحاديث عيسى عليه السلام أصح من أحاديث المهدي كما لا يخفى ذلك على أهل العلم بالحديث ؛ لأنه من المتفق بين أهل الحديث أن أحاديث عيسى متواترة  بلغت علم اليقين أحاديث المهدي عليه الصلاة والسلام يوجد هناك خلاف بين بعض العلماء هل بلغت هذه المرتبة أم لا ؛ وأنا لا يهمني في الوصول إلى هذه المرتبة وإن كنت أميل إليها أي أن أحاديث المهدي أيضا وصلت إلى هذه المرتبة ولكن يكفي المسلم أن يعلم أن أحاديث المهدي صحيحة وأن علماء المسلمين توارثوا خلفا عن سلف الاعتقاد بخروج المهدي وبنزول عيسى عليهما السلام إذا قلت هذا لأن السؤال ذكر المهدي وكان الأولى أن يذكر عيسى لأن أحاديث عيسى أقوى ؛ فلذلك هذا السؤال فتح لي باب التطرق لأحاديث عيسى عليه الصلاة والسلام قلنا إن هذه العقيدة حق لا ريب فيها ، بعض العلماء في العصر الحاضر ممن لا يهتمون بدراسات العلماء السابقين سواء ما كان منها متعلقا بتصحيح الأحاديث أو ما كان منها متعلقا بتصحيح العقائد المبنية على الأحاديث ؛ فكثير من علماء العصر الحاضر ينكرون خروج المهدي بل غلا بعضهم فأنكروا أيضا نزول عيسى عليه الصلاة والسلام لا أريد الخوض بتفصيل في هذه المسألة إلا بمقدار ما لابد من تقديمه جوابا عن هذا السؤال ، كثير من المعاصرين الذين يدعون الإصلاح وجدوا عامة المسلمين يتكئون في العمل الإسلامي وبعبارة أوضح في ترك العمل للإسلام يقولون ما في فائدة للعمل إلا حينما يخرج المهدي أو ينزل عيسى عليه السلام ، هكذا يعتقد كثير من الناس أي وصلوا إلى مرتبة اليأس التي لا يجوز للمسلم أن يقع فيها لأن (( لا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون )) في القرآن الكريم ، فلما وجد بعض المصلحين هذا اليأس مسيطرا على جماهير المسلمين وجدوا أن سبب هذا اليأس هو إيمانهم بنزول عيسى وخروج المهدي فظنوا أن الإصلاح يكون بإنكار هاتين العقيدتين الصحيحتين بأن يقولوا للناس يا جماعة اعملوا ، فعقيدة عيسى عليه السلام ما هي ثابتة بطريق اليقين وهم مخطئون أشد الخطأ ، اعملوا فإن خروج المهدي هذا عقيدة شيعية وهي غير صحيحة كذلك هم في ذلك مخطئون ؛ فقلنا مرارا وتكرارا وكتبنا شيئا من هذا المعنى في بعض المؤلفات قلنا لا يكون الإصلاح على هذا المنوال وعلى هذا المنهاج في إنكار الأحاديث الصحيحة وما بنى عليها من عقيدة لأن هذا المنهج الاستمرار عليه سيؤدي بأصحابه إلى الاعتزال الماضي قديما ذلك لأن المعتزلة أنكروا ما هو أخطر من عقيدة عيسى عليه السلام والمهدي ، ما الذي أنكروه ؟ أنكروا القدر فقالوا لا قدر ، مع أن القدر ثابت في الكتاب والسنة وهي عقيدة كما تعلمون جميعا (( أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وبالقدر خيره وشره )) قالت المعتزلة لا قدر ؛ فنحن إذا درسنا ما الذي حمل المعتزلة وهم بطبيعة الحال ليسوا كفارا ، ليسوا مرتدين عن دين الإسلام ؛ كل ما نستطيع أن نقول عنهم أنهم مسلمون ضالون لأنهم أنكروا حقائق شرعية منها انكارهم للقدر الإلهي ؛ لكننا إذا درسنا السر في إنكارهم للقدر الإلهي وجدناه كإنكار بعض المعاصرين اليوم لعقيدة خروج المهدي ونزول عيسى عليه السلام ؛ كيف ؟ وجدوا أن كثيرا من المسلمين فهموا من عقيدة القدر أنها تعني الجبر وأن الإنسان ليس مخيرا في طاعته لله أو في معصيته إياه وهم بلاشك وجدوا نصوصا في الكتاب والسنة وذلك مقتضى العقل الصحيح السليم أنه لا يجتمع في الإنسان جبر وتكليف ضدان لا يجتمعان ، المعتزلة نظروا فقالوا إذا، إذا كان معنى القدر الجبر فلا يمكن ربنا عزوجل يجبر الإنسان على المعاصي وبعدين أيش يعذبه ، إذا هذه عقيدة باطلة ؛ نحن نلتقي مع المعتزلة في قولهم بأن الجبر عقيدة باطلة كما نلتقي مع أولئك المصلحين بأن الاتكال على خروج المهدي ونزول عيسى وعدم العمل للإسلام أيضا عقيدة باطلة ولكننا لا نلتقي لا مع هؤلاء ولا مع أولئك المعتزلة فيما أنكروا من عقائد صحيحة ثبتت بعضها في الكتاب والسنة وبعضها في الأحاديث الصحيحة المتواترة ؛ فالمعتزلة تأولوا الآيات التي تنص على القدر كما تأولوا الأحاديث بل وأنكروا بعضها حينما لا يسعهم تأويلها فوقعوا في القدر وهو إنكار القدر الإلهي الذي ثبت في القرآن والسنة كما ذكرنا ، فنقول نحن للمعتزلة كما نقول لهؤلاء المصلحين اليوم " ما هكذا يا سعد تورد الإبل "، ما هكذا يا جماعة يكون الإصلاح ، لا يكون الإصلاح بإنكار حقائق شرعية وإنما يكون الإصلاح بتفهيم المسلمين الفهم الصحيح بتلك النصوص سواء ما كان منها قائما على إثبات القدر أو ما كان منها قائما على إثبات نزول عيسى وخروج المهدي عليهما السلام ، فنقول إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مكث في قومه ثلاث وعشرين سنة وهو يدعوهم ليلا نهارا حتى استطاع أن يضع النواة للخلافة الإسلامية في المدينة المنورة ؛ فنحن علينا معشر المسلمين أن لا ننتظر ما بشرنا بمجيئه من المهدي أو عيسى علينا أن نعمل لأن الواقع الآن نشعر نحن تماما أن هناك جماعات من المسلمين متفرقون في العالم الإسلامي ، هم ينتظرون قائدا يأخذ بأيديهم ويجاهد بهم أعداء الإسلام في كل زمان وفي كل مكان ، فهم ينقصهم هذا الإنسان المصلح القائد ؛ لكن تصوروا معي الآن إذا جاء هذا المبشر به وهو المهدي أو عيسى وأخذ يصلح بين المسلمين كما يفعل اليوم المصلحون المتفرقون في العالم الإسلامي فكم سيظل في عمله في الإصلاح هذه ؟ سينقضي حياته إلا إن كان له حياة تشبه حياة نوح عليه السلام ، وهذا لم نبشر به ستنقضي حياته في إصلاح المسلمين تفهيمهم الإسلام الصحيح وحملهم على العمل بالإسلام الصحيح ، اليوم مثلا نحن نعلم يقينا أن من آفة العالم الإسلامي هو الانكباب على الدنيا ومن آثار هذا الانكباب استحلال ما حرم الله عزوجل من الربا بأدنى الحيل فضلا عن غير ذلك من المحرمات ... أبمثل هؤلاء الناس ، يمكن إذا خرج المهدي أو نزول عيسى عليه السلام أن يجاهد به الكفار أو بهم الكفار ؟ الجواب لا ، إذا على المسلمين كافة في كل بلاد الإسلام أن يعملوا بفهم الإسلام أولا فهما صحيحا وأن يطبقوه في ذوات أنفسهم وفي أهاليهم وذراريهم ثانيا حتى إذا جاء المهدي أو نزل عيسى وجد القوم ليسوا بحاجة إلى إصلاح ، ما أفسده هذا الزمن الطويل وإنما وجدهم ... .